نعمت الحاموش.. أنثى الحبر التي تُرمم انكسارات الروح بدمع الكلمات


كتب عزت اشرف
لا تكتب نعمت الحاموش لكي تُقرأ فحسب، بل تكتب لكي تتنفس، ولكي تمنح وجعها اللبناني المعتّق فرصة للنجاة. حين تجلس أمامها، تشعر أنك أمام امرأة صُهرت من رقة الياسمين وصلابة الصخر؛ امرأة لا تعترف بالحدود الفاصلة بين الحقيقة والحلم، بل تعبر بينهما بجسدٍ من نور وحبر. هي التي جعلت من روايتها **«الرجل والوحش»** صرخةً في وجه الصمت، ومن **«مرساة في رمال»** ملاذاً للعشاق الذين أكلتهم نيران الخيبة، ومن **«ملاكي»** اعترافاً دافئاً بالجانب الهش في قلب الرجل.
في هذا اللقاء، نترك العقل جانباً ونستنطق النبض، لنسأل نعمت عن سر ذلك الحنين الذي يسكن مسام حرفها، وعن علاقتها المقدسة بورقةٍ بيضاء وقلم رصاص يرتجف بوجع الذاكرة.
**ثمة غصة تسكن سطوركِ، واحتفاءٌ موجع بـ “الحلم” كمنطقة عازلة.. هل الكتابة بالنسبة لكِ هي ذاك المنفى الجميل الذي تلجئين إليه حين يضيق بكِ واقعٌ لم يمنحكِ السكينة التي تستحقين؟**
الكتابة هي وطني البديل، وهي الحضن الذي ألقي فيه برأسي كلما أثقلتني الحياة. أنا لا أكتب لأهرب، بل لأواجه قدري بشجاعة الحالمين. حين أرحلُ عبر “الغيب الأرجواني”، أبحث عن تلك النسخة من نفسي التي لم تكسرها الحروب ولم تلوثها الخيبات. الحلم عندي ليس وهماً، بل هو الصدق الوحيد الذي تبقى لنا في عالمٍ من الأقنعة. الكتابة هي التي تمنحني القدرة على الوقوف مجدداً، هي تلك “المرساة” التي تشد روحي للأعلى كلما حاولت “لجّة” الوجع أن تبتلعني.
**أسلوبكِ يفيض بشاعرية طاغية، وكأنكِ تغزلين الحكاية بـ “قصيدة نثر”.. ألا تخشين أن يذوب منطق الرواية في سحر الصورة الشعرية، فيتوه القارئ في رقة الحرف وينسى وقائع القصة؟**
الرواية بلا روح شعرية هي جسدٌ بارد، وأنا لا أطيق البرود. أنا مسكونة بالجمال، وأرى العالم بعينِ رسّامٍ يعشق الألوان الفياضة. الصورة البيانية عندي ليست زينة، بل هي النور الذي يضيء دروب أبطالي المتعثرين. في رواياتي، أريد للكلمة أن تلمس يد القارئ بحرارة، أن يشعر بارتجاف الحرف في عروقه. أنا أنتمي لمدرسة “السهل الممتنع”؛ لغةٌ تبدو بسيطة كالماء، لكنها عميقة كالبحر، تمنح القارئ فرصة ليتأمل ويشعر قبل أن يقرأ.


**في “الرجل والوحش”، كان الحرفُ سلاحاً لترويض القسوة واستعادة كيان المرأة السليب.. كيف يمكن لامرأة مسلحة بالقلم فقط أن تهزم “الوحش” في مجتمعٍ ما زال يرى في أنين الأنثى ضعفاً؟**
المرأة التي تملك القلم تملك العالم. في هذه الرواية، لم أرد أن أشكو، بل أردت أن أثور بجمالية وجدانية. ترويض الوحش لا يعني كسر الآخر، بل يعني انتزاع الاعتراف بالحق في الوجود والكرامة. لقد جعلتُ من الكتابة مرآة تعري القبح الذي يختبئ خلف السلطة الذكورية الزائفة. حين أكتب، أنا أسترد كبريائي، وأعلم الأخريات أن الصدق هو القوة الوحيدة التي لا تُهزم. القلم هو طريقتي لقول “لا” بوجهٍ مشرق وقلبٍ متمرد.
**اقتحمتِ بصمتكِ الأنثوي عالم “الرجل” في رواية “ملاكي”، وتحدثتِ بلسان حيرته وهواجسه.. كيف استطعتِ سكنى روح “راجي” دون أن يسرقكِ انحيازكِ لجنسكِ؟**
التحدي كان في “الذوبان” في وجع الآخر. الرجل في مجتمعنا سجينٌ أيضاً؛ سجينٌ لصورة القوة الصخرية التي فُرضت عليه، وهو في الحقيقة يملك قلباً “نورانياً” يرتجف شوقاً وسؤالاً. “راجي” هو الجزء الهش فينا جميعاً، هو الباحث عن السكينة في ضجيج الحياة. حين كتبتُ بلسانه، كنتُ أكتبُ بلسان “الإنسان” المتعطش للمحبة. الكتابة جسر مودة، وأنا أردتُ أن أثبت أن الوجع لا يعرف هوية، والدموع لا تميز بين رجل وامرأة.
**«مرساة في رمال» هي رواية “الحب والحرب”.. لماذا تصرين على العودة إلى ركام بيروت وجراح لبنان، وكيف تحولين تلك المآسي إلى مادة تفيض بالحنين؟**
لأنني ابنة ذلك الركام، وبيروت هي أم أوجاعي. الحرب لم تقتلنا جسدياً فحسب، بل حاولت قتل “النبض الفريد” فينا. أنا أعود إلى تلك الجراح لكي لا تيبس أرواحنا. في “مرساة في رمال”، فتشتُ عن الحب الضائع وسط الخيبات، وعن الضيعة التي تسكن ذاكرتي كأيقونة مقدسة. لبنان “يجلدنا” بقسوته لكننا نتمسك به بجنون المحبين. الأدب هو طريقتي في إعادة إعمار البيوت المهدمة داخل قلوبنا، لكي يظل الجمال هو الرد الأخير على الرصاص.
**تُرددين دائماً أن “الألم يذيب بخور العبقرية”.. هل تؤمنين حقاً أن الإبداع لا يولد إلا من رحم الدمع والوجع؟**
الوجع هو زيت القنديل الذي يضيء حروفنا. الفرح عابر ولطيف، لكن الألم هو الهوية الحقيقية للإبداع الخالد. دمع العين يطهر الكلمة ويمنحها بريقاً لا ينطفئ. نحن في هذا الشرق الحزين نعيش في “لجّة” من الأزمات، ولذا يخرج أدبنا محملاً بهذا الشجن الصادق. الألم هو الذي يدفعنا للبحث عن “أنغام بعث” جديدة، وهو الذي يربطني بالقارئ برباطٍ وثيق من الصدق الوجداني.
**ما زلتِ وفية لـ “قلم الرصاص” والورقة في زمن التكنولوجيا.. هل هذا “تمسكٌ بالطفولة” أم أن للورق سرّاً لا تدركه الشاشات الباردة؟**
هناك “علاقة حارة” بين أصابعي والورقة. قلم الرصاص يرتجف بوجعي، يشعر بنبضي، ويسمح لي بأن أمحو ترددي وأعيد بناء حلمي. رائحة الورق هي عطر الخلق عندي. الشاشة صماء باردة، لا تنفعل مع ارتعاش الروح حين تشتعل الفكرة. أنا أكتب في “عزلتي المقدسة” لأنني أريد للحرف أن يخرج من مسام قلبي مباشرة إلى الورقة، دون وسيطٍ آلي يسرق حرارة الإحساس.
**لو التقت “نعمت الحاموش” بجبران خليل جبران في “ظله الأرجواني”، ما هو السؤال الذي سيطرحه “النبي” عليكِ؟**
سيسألني بفيضِ محبته: “يا ابنة لبنان، هل ما زال الحب قادراً على ترويض الوحوش في بلادكِ؟”. وسأجيبه بدموعِ المحب: “يا جبران، لقد تعلمنا منك أن المحبة هي الدين الوحيد، وأن كلماتك هي النور الذي نهتدي به حين تظلم الدروب”. جبران هو رفيقي في الغربة والحنين، وكتابه “النبي” هو مرآتي التي أرى فيها نفسي كلما ضعتُ في زحام الحياة.
**بين الشعر والنثر، أين تجد نعمت الحاموش نفسها أكثر قدرة على التنفس بحرية؟ وكيف ترين حال الثقافة اليوم؟**
أحب الشعر، ولكنني أعشق النثر المكتنف بصورة جميلة معبرة عن موقف أو إحساس؛ فهذا يمنحني مساحة أرحب للبوح. أما حال الثقافة، فيؤلمني هذا اليتم الذي نعيشه. شعوبنا ابتعدت عن الكتاب، وفقدت البوصلة وسط ضجيج التفاهة الرقمية. لن تستقيم أمورنا إلا حين يعود الكتاب ليكون “خبزاً يومياً” لعقولنا. الأدب هو الذي يمنحنا الرؤية، وبدونه نتحول إلى كائنات بلا روح ولا هوية.
**.. إذا كانت أعمالكِ الكاملة ستحمل جملة واحدة على غلافها، فما هي تلك الجملة التي تختصر نعمت الحاموش؟**
سأكتب بمدادِ القلب: **”أنا في كلمات…”**. من أراد أن يلمس روحي، فليفتش عنها بين السطور، في حزن “راجي”، وفي كبرياء نساء “الرجل والوحش”، وفي صمت “المرساة” فوق الرمال. أنا لست هنا.. أنا هناك، أسكن في الحبر والورق


