رأي

الإرث يفنى.. والوقف يبقى

بقلم / د. عبدالله صادق دحلان

من أجمل قصص الموعظة، التي أثَّرت بي، هي قصَّة: «مقاتل بن سليمان، عندما دخل على الخليفة العباسيِّ أبي جعفر المنصور، فقال له «المنصور»: عِظنِي يَا «مقاتل».

فقالَ: أعظُك بما رأيت أم بما سمعت؟.

قال: بل بما رأيت.

‏قال: يا أمير المؤمنِين.. إنَّ الخليفة الأمويَّ عمر بن عبدالعزيز أنجب أحد عشر ولدًا، وترك ثمانية عشر دينارًا، كُفِّنَ بخمسة دنانير، واشتُريَ له قبرٌ بأربعة دنانير، وَوزِّع الباقي على أبنائه.

والخليفة الأمويُّ هشام بن عبدالملك أنجب أحد عشر ولدًا، وكان نصيب كلِّ ولدٍ من التركة ألف ألف دينار (أي مليون دينار)، واللهِ يا أمير المؤمنِين: لقد رأيتُ في يومٍ واحدٍ أحدَ أبناء عمر بن عبدالعزيز يتصدَّق بمئةِ فرس للجهاد في سبيل الله، وأحدَ أبناء هشام يتسوَّل في الأسواق!.

‏وقد سألَ النَّاسُ عمر بن عبدالعزيز -وهو على فراش الموت-: ماذا تركتَ لأبنائِكَ يا عمر؟ قال: «تركتُ لهم تقوَى الله، فإنْ كانوا صالحِينَ، فاللهُ تعَالى يتولَّى الصَّالحِينَ، وإِنْ كانُوا غيرَ ذلك؛ فلنْ أتركَ لهم ما يُعينهم على معصيةِ الله تعَالَى».

أمَّا ما أراهُ اليومَ في كثيرٍ من النَّاس، يسعُونَ ويكدُّونَ ويتعبُونَ ليؤمِّنُوا مستقبل أولادهم بعد موتهم، ظنًّا منهم أنَّ وجود المال في أيدي ورثتهم بعد موتهم أمانٌ لهم، ويغفلُونَ أنَّ الأمان العظيم هو الذي ذكره اللهُ في كتابه: ‏(وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا).

وهذا ما دفعني اليوم، لأنْ أرسل رسالة تذكير لنفسي ولزملائي من رجال الأعمال، والتجَّار، وورثة الأغنياء، وكانزِي الذَّهب والفضَّة، ومجمِّدي الملايين في الحسابات البنكيَّة المحليَّة والدوليَّة، ويعملُونَ ليل نهار لتنميتها ومضاعفتها، يظنُّونَ أنَّهم مُخلَّدُونَ، أو خائفُونَ على أبنائهم، وبناتهم، وزوجاتهم، بعد موتهم من الفقرِ، وسوء الحال، وواضعِينَ حُسن ظنِّهم في أولادهم بعد مماتهم، بأنْ يتصدَّقُوا لهم بالدُّعاء والصَّدقات للفقراء، ليكسبُوا الأجر في قبورهم، ولا يعلمُونَ أنَّ بعضَ الأبناء حال انتهاء دفن مورِّثهم يبدأونَ في حساب التركة، ونسب توزيعها، ولا يعتبر بعضهم لوصيَّةِ المورِّث بمبدأ لا وصيَّة لوارثٍ، ويطعن البعض الآخر في الوصيَّة، إذا لم تكن في صالحه، ويطعن البعض الآخر في هبة الأب لزوجته، أو زوجاته، ويرفضُ بعضُ الورثة الوصيَّة للجمعيَّات الخيريَّة؛ بحجَّة أنَّهم أَولَى، والأقربُونَ أَوْلَى بِالمَعْرُوفِ، وأحيانًا يلتزمُ الأبناء ويتذكَّرُونَ فعل الخير لوالديهم بعد الممات، ويرفضُ، أو يتهرَّبُ الأحفاد من الالتزام بعمل الخير لأجدادهم، ولا يشعرُونَ بارتباط بهم. الأمثلة كثيرة، وكم من أبناء عطَّلوا تنفيذ الوصيَّة، بل أوقفُوا صرفَ مبالغ متبقِّية لمشروعٍ خيريٍّ قام به والدهم، عندما كان على وجه الحياة.

والأمثلة كثيرةٌ جدًّا على أرض الواقع، ولكن لا يتَّعظ البعض من أصحاب الثَّروات، فيكنزُون الملايين، والبلايين، ويجمِّدُون عقاراتهم في حياتهم، رغم أنَّ الفرص كبيرة أمامهم لعمل مشروعات الخير في حياتهم، وأمام أعينهم، ويخاف البعض من قلَّة إيراداتهم لو صرفُوا أموالهم في مشروعات وقفيَّة خيريَّة، وأؤكد لهم بأنَّه يمكنهم وضع شروطهم في الوقف، ومنها أنْ يُعيِّنُوا أنفسهم نُظَّارًا على الوقف في حياتهم، ويمكنهم تخصيص النسبة التي تُصرف لهم في حياتهم، حتَّى لو كان إجمالي الإيراد في حياتهم يُصرف لهم، وبعد مماته يُصرف حسب شروطهم للوقف في الأعمال الخيريَّة.

والحقيقة، تُشكَر الدَّولة على إنشاء هيئة الأوقاف، التي وسَّعت دائرة الأوقاف، ونظَّمت صناديق الأوقاف الخيريَّة، ذات العوائد الكبيرة والمنافسة للصناديق الاستثماريَّة في البنوك، وأهم عمل تقوم به هيئة الأوقاف، هو تنظيم الوقف الإسلاميِّ، وضمان استدامته لصاحبه بعد مماته، ومن خلال اطِّلاعي على نظام ونشاط هيئة الأوقاف، أُجزمُ أنَّه لا خيارَ أفضل من إنشاء الصناديق الوقفيَّة الخيريَّة لمن يرغب أنْ يضمن استدامة العمل الخيريِّ في حياته ومماته، وهي فرصة ليست للأغنياء فقط، وإنَّما أيضًا للأفراد الرَّاغبِينَ في استدامة عملهم الخيريِّ بشراء أسهم في أحد الصناديق الاستثماريَّة الخيريَّة، والأبواب مفتوحة بدون حدود دنيا، أو عُليا.

رسالتي هذه لنفسِي أوَّلًا، ولجميع رجال الأعمال والتجَّار، وورثة الأغنياء، والأفراد الرَّاغبِينَ في استدامة عملهم الخيريِّ في حياتهم وبعد وفاتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى