رأي

حديقة الملك سلمان.. أكبر حديقة خضراء في العالم

بقلم  د. عبد الله صادق دحلان

 

من أهمِّ سياسات قيادات الدول المتقدِّمة، توفير البيئة الحياتيَّة المناسبة واللائقة لشعوبها، وهذا ما نلمسه في سياسات قادة المملكة العربيَّة السعوديَّة، التي تحرص -كلَّ الحرصِ- على رفاهيَّة شعوبها، وضمان أساسيَّات الحياه لهم من الغذاء، والعلم، والصحَّة، والسَّكن، والتَّرفيه، وسط بيئة معيشيَّة نظيفة جاذبة، ومن هذه المشروعات إنشاء أكبر حديقة في العالم من حيث المساحة والإمكانات، وهي حديقة الملك سلمان في الرياض، التي تُعدُّ واحدًا من أكثر المشروعات العمرانيَّة طموحًا في تاريخ المملكة، ومشروعًا محوريًّا ضمن مبادرات رُؤية السعوديَّة 2030 لتحسين جودة الحياة، وزيادة المساحات الخضراء، وتعزيز الهويَّة الثقافيَّة والترفيهيَّة للعاصمة.

أُعلن عن مشروع حديقة الملك سلمان في 19 مارس 2019، عندما كشف خادمُ الحرمَينِ الشريفَينِ الملكُ سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، -حفظه الله- عن هذه المبادرة الطَّموحة، بإشراف صاحبِ السموِّ الملكيِّ الأميرِ محمد بن سلمان بن عبدالعزيز وليِّ العهدِ رئيسِ مجلسِ الوزراءِ.

يقع المشروع في وسط مدينة الرياض، على موقع قاعدة الملك سلمان الجويَّة السَّابقة (مطار الرياض القديم)، وتبلغ مساحة الحديقة أكثر من 16 كيلومترًا مربعًا، ما يجعلها عند اكتمالها أكبر حديقة حضريَّة في العالم، إذ تفوق في مساحتها أربعة أضعاف Central Park في نيويورك، وخمسة أضعاف Hyde Park في لندن، وتزيد بـ13 ضعفًا عن حديقة جاردن باي ذا باي في سنغافورة.

تتوسَّط الحديقةُ العاصمةَ، وتربطها بثمانية طرق رئيسة، وشبكات نقل متكاملة؛ ممَّا يجعل الوصول إليها سهلًا من معظم أحياء المدينة عبر قطار الرِّياض، ومحطَّات الحافلات، والطرق الرئيسة.

وما يميِّز حديقة الملك سلمان ليس فقط حجمها، بل تنوُّع وظائفها وخدماتها، فهي ليست مجرَّد مساحة خضراء واسعة، بل مدينة خضراء متكاملة تضم: مساحات خضراء ضخمة تمتد لأكثر من 11 كم2، تشمل أكثرَ من مليون شجرةٍ، وأنواعًا متعددةً من النباتات، والمجمع الملكي للفنون، الذي يضم متاحف ومساحات ثقافيَّة وفنيَّة تتكامل مع الهويَّة الحضاريَّة للمملكة، كما يوجد فيها المسرح الوطنيُّ، ومرافق للأداء الفنيِّ والثقافيِّ؛ بهدف دعم المشهد الثقافيِّ في الرياض، وممرٌّ دائريٌّ للمشاة بطول حوالى 7.2 كم، يوفر بيئة مثاليَّة للمشي والرياضات الخارجيَّة، ومنطقة «الوادي» وهي مساحة مصمَّمة بطريقة تجمع بين الطبيعة والفنون والمسطحات المائيَّة.

كما يُتوقَّع أنْ تشمل الحديقةُ مرافقَ خدميَّة مثل المقاهي، المطاعم، مناطق للعب الأطفال، ومساحات تعليميَّة وتفاعليَّة، تتكامل مع التطوُّر الحضريِّ الذي تشهده الرياض.

ويسهم هذا المشروع في تعزيز الاستدامة البيئيَّة، من خلال زيادة الغطاء النباتيِّ، وتحسين جودة الهواء، وخفض درجات الحرارة في المدينة، وهي عناصر أساسيَّة في ظلِّ بيئة صحراويَّة حارَّة.

كما تمَّ تصميم الحديقة لتكون ملاذًا بيئيًا للعديد من أنواع النباتات والحياة البريَّة الصغيرة، مع توفير مساحات طبيعيَّة يمكن أنْ تساهم في دعم التنوُّع البيولوجيِّ داخل المدينة.

وتمَّ التخطيطُ لربط الحديقة بنظام النقل العام في الرياض بشكل شامل، حيث يوجد عدَّة محطَّات من قطار الرياض القريبة من موقع الحديقة، وعشرات محطَّات حافلات الرياض التي تخدم محيط الحديقة، وشبكة طرق واسعة تربط الحديقة بجميع أنحاء المدينة.

هذا التكامل يضمن أنْ تكونَ الحديقةُ وجهةً سهلةَ الوصولِ لكلِّ فئات المجتمع، سواء باستخدام النقل العام، أو المركبات الخاصَّة.

على الرغم من أنَّ المشروع شامل وضخم جدًّا، فإنَّ التقديرات الحديثة تشير إلى أنَّ أجزاء كبيرة من الحديقة قد تُفتح للجمهور في نهاية عام 2027، وستكتمل بحلول عام 2030، وسيكون الافتتاحُ تدريجيًّا، أي أنَّ بعض المناطق ستستقبل الزوَّار قبل إكمال المشروع بالكامل، بينما ستستمر أعمال التطوير في أجزاء أُخْرى من الحديقة على مدار السنوات التالية.

كما يعمل المشروع على تعزيز الهويَّة الثقافيَّة والاجتماعيَّة للرياض، مسهمًا في تنشيط السياحة الداخليَّة والخارجيَّة، وتوفير فرص عمل، وتحفيز الصناعات الإبداعيَّة والفنيَّة في المدينة.

حديقة الملك سلمان ليست مجرد حديقة، بل رمز جديد لتحوُّل حضري واستدامة بيئيَّة، وكسر للروتين العمرانيِّ في مدينة الرياض، ومن المتوقَّع أنْ تصبح واحدًا من أشهر المعالم العالميَّة في مجال المساحات الخضراء الحضريَّة، وتتحوَّل إلى وجهة رئيسة للزائرين والسكَّان على حد سواء، ليس فقط في المملكة، بل في المنطقة بأسرها.

إنَّ مشروعًا عملاقًا مثل مشروع حديقة الملك سلمان، يدفعنا لأنْ نحلم بأنْ تتكرر الحدائق المماثلة في مدن المملكة حسب طبيعة المدينة والمنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى