

بقلم: د. وليد محمود أبو كامل
دكتوراة في القانون الدستوري
حين يشتد لغط الدنيا وتتلاطم أمواج التحديات وتضيق الأزمات بالناس حتى تخنق الرجاء في النفوس ويصبح البحث عن مخرج قانوني للهموم والكروب مطلبا يوميا ملحا تأتي ليلة النصف من شعبان كقاعدة آمرة ومادة فوق دستورية تمنحنا حق الاستثناء من اليأس وتفتح لنا آفاقا لا تدركها نصوص البشر. نحن الآن أمام ميقات السماء الذي لا يعترف بالحصانات المكتسبة ولا الرتب الزائلة بل يعترف فقط ببراءة الذمة ونقاء السريرة ونقاء الصدور من شوائب الحقد والضغينة.
مدرسة الحاج محمود.. القانون في صورته الإنسانية الأسمى
في ديرب نجم بمحافظة الشرقية العريقة حيث الأرض الطيبة التي تنبت الرجال وحيث تعلمت أبجديات الانتماء الأولى لم أكن أحتاج لمجلدات القانون الدستوري ولا لشروحات الفقهاء لأعرف معنى العدل والحق. كان يكفيني في مقتبل العمر أن أنظر إلى وجه والدي العزيز الحاج محمود أبو كامل أطال الله في عمره ومنحه ثوب الصحة والعافية ليتجسد أمامي مفهوم الالتزام في أبهى صوره. والدي الذي علمني قبل الكتب أن السيادة الحقيقية ليست في السيطرة بل هي سيادة الإنسان على نفسه وشهواته وأن أقوى سلطة تشريعية وتنفيذية في الأرض هي سلطة الضمير الحي الذي يراقب الله في السر والعلن.
في هذه الليلة المباركة التي تشع نورا أستعيد كلمات والدي التي كانت تسبق دائما نصوص القانون وتفوقها حكمة ويقينا بأن ليلة النصف هي ليلة الفلترة السنوية الكبرى للنفوس. هي الليلة التي لا يمر من بوابتها الملكية مشاحن ولا قاطع رحم وكأنها فحص دستوري دقيق لقياس أهلية القلب واستحقاقه لشرف الدخول في حرم شهر رمضان المبارك. إن وجود والدي الحاج محمود بجانبي اليوم هو المرجع القانوني والأخلاقي الذي أعود إليه في كل نازلة لأتذكر أن بر الوالدين هو النص الأصلي والمادة الحاكمة التي لا تقبل النسخ ولا التأويل ولا التعديل.
الحاجة الوالدة.. صمام أمان الروح والمحكمة العليا للقيم
وإذا كان القانون في جوهره يحمي استقرار المجتمعات فإن دعاء الحاجة الوالدة حفظها الله ورعاها هو الذي يحمي الأبناء من عثرات الزمان وتقلبات القدر. هي التي علمتني في بيتنا الدافئ بالشرقية أن الرحمة تسبق العدل بمسافات وأن اللقمة البسيطة التي تقسم بحب في أيام شعبان هي التي تطرح البركة العظيمة في ثمار رمضان. بفضل بصيرتها أدركت أن الاستعداد للشهر الفضيل ليس استعدادا لوجستيا بتكديس الأقوات وتجهيز الموائد بل هو استعداد روحي يبدأ بتطهير النوايا وإصلاح ما بيننا وبين الناس. إنها تمثل في وجداني المحكمة العليا للقيم والمبادئ وصمام الأمان الروحي الذي نلجأ إلى حماه كلما عصفت بنا رياح الحياة العاتية.
تحويل القبلة وفلسفة السيادة والولاء
إن اقتران هذه الليلة بذكرى تحويل القبلة ليس مجرد حدث تاريخي بل هو درس وجودي في فلسفة السيادة والاستقلال والولاء. هو إعلان إلهي بأن الأمة التي تمتلك بوصلة واضحة وتعرف وجهتها الحقيقية لا تضل الطريق مهما تكالبت عليها الظروف. وكما تحولت القبلة نحو الكعبة المشرفة وجب علينا في هذه الساعات المباركة أن نحول بوصلة قلوبنا من الغرق في تفاصيل الأزمات المادية إلى رحاب اليقين المطلق في فرج الله. هو تحول دستوري من ضيق اليأس إلى سعة الرجاء ومن صراعات الأنا الضيقة إلى روح التكافل الجمعي التي تجسد مفهوم نحن في أسمى معانيه.
رسالة إلى مصر من قلب الشرقية النابض
يا شعب مصر العظيم يا من علمتم الدنيا كيف يكون الصبر وكيف يكون الإيمان نحن الآن نمر عبر الغرفة التحضيرية الكبرى لرمضان. شهر شعبان هو الشهر الذي ترفع فيه الأعمال إلى رب العزة ورمضان هو قانون الجذب الإلهي لكل ما هو جميل ونبيل في نفوسنا البشرية. إنني من موقعي هذا وبما أحمله من أمانة العلم أدعو كل مصري في كل نجع وقرية ومدينة أن يجعل من ليلة النصف من شعبان منطلقا لمصالحة إنسانية ووطنية شاملة تبدأ من داخل النفس وتمتد لتشمل القريب والبعيد.
فلنحطم بوعينا قيود الشحناء ولنعلي فوق مصالحنا قيم التسامح والصفح ولنجعل من بيوتنا في كل ركن من أركان هذا الوطن العظيم كما هو حال بيتنا العامر في ديرب نجم قلاعا حصينة للحب والبر والوفاء المتبادل.
دعاء الختام والرجاء
وفي ختام هذه الكلمات التي خرجت من القلب لتستقر في القلوب اللهم بارك في عمر والدي الحاج محمود أبو كامل وبارك في عمر والدتي الغالية واجعلهما تاجا مرصعا بالوقار فوق رؤوسنا ومنارا نهتدي به في دروب الحياة. اللهم بلغنا رمضان وقد غسلت قلوبنا من كدر الدنيا ورفعت بفضلك شأن مصرنا الغالية وأصلحت أحوالنا جميعا. اللهم بلغنا شهرك الكريم ونحن لا فاقدين ولا مفقودين واجمع شملنا على طاعتك وبلغنا جميعا ليلة القدر العظيمة واجعلنا فيها وفي رمضان من المقبولين الفائزين بعفوك ورضاك ومن عتقائك من النار يا رب العالمين.



