شهر رمضان.. إعلانٌ دستوري للروح


بقلم: د. وليد محمود أبو كامل
دكتوراه في القانون الدستوري
أيامٌ معدودات.. هكذا وصفها الحق في كتابه، لكنها في وجداننا هي أعظم شهور السنة على الإطلاق. أيامٌ قليلة تفصلنا عن تلك اللحظة المهيبة التي يرتفع فيها صوت الأذان ليعلن سيادة قانون السماء على شهوات الأرض. نحن الآن على أعتاب شهر ليس كمثله شهر، هو السلطة التأسيسية التي تعيد صياغة دستور النفس البشرية، وتمنحنا فرصةً نادرة لترميم ما أفسدته صراعات الحياة وماديتها الجافة خلال العام.
أولاً: فلسفة السيادة في المحراب الرمضاني
إننا في القانون الدستوري ندرس السيادة كأسمى سلطة في الدولة، وفي رمضان، نكتشف أن أسمى سيادة هي سيادة الإنسان على نفسه. الصيام، في عمقه الفلسفي، هو تدريبٌ شاق على الحرية المنضبطة؛ فالإنسان يمتنع عن المباح بقرارٍ إرادي محض، لا استجابةً لضغط خارجي، بل امتثالاً لعقدٍ إيماني غليظ بينه وبين خالقه. هنا يتحول الجوع من ألمٍ غريزي إلى سموٍ أخلاقي، وتتحول العطش إلى ريٍ للروح. رمضان هو الشهر الذي يثبت فيه الإنسان أنه ليس مجرد كائن بيولوجي تحركه الغرائز، بل هو كائن دستوري تحكمه القيم والمبادئ.
ثانياً: ديرب نجم.. حيث يتجسد العقد الاجتماعي
لا يمكن لمثلي، وقد جرت في عروقه دماء الشرقية الأبية، أن يتحدث عن رمضان دون أن يستحضر عبق أزقة ديرب نجم. رمضان في قرانا ليس مجرد شعيرة، بل هو وثيقة تكافل اجتماعي تُنفذ على أرض الواقع بأعلى درجات المشروعية.
إن الدساتير الوضعية تسعى جاهدةً لتحقيق التضامن الاجتماعي، ولكننا في ديرب نجم نعيشه بالفطرة. رمضان عندنا يعني اللمة التي تذيب الفوارق الطبقية، ويعني الموائد التي لا تفرق بين ابن السبيل وسيد القوم. هذا هو الدستور الشعبي الذي تربينا عليه؛ دستورٌ يكتبه الكرم الشرقاوي بمدادٍ من المودة، ويحرسه الشباب الذين يتسابقون لتزيين الشوارع بالفوانيس، وكأنهم يزينون قلوبهم لاستقبال الضيف الغالي.
ثالثاً: دستور الوفاء.. شكرٌ واجب لأصحاب الفضل
وإنني، وإذ أقف اليوم بفضل الله في محراب العلم حاملاً للدكتوراه في القانون الدستوري، أدرك تماماً أن هذه الحصانة العلمية ما كانت لتتحقق لولا وجود حصانة تربوية وفرها لي بيتي الأصيل.
في مقدمة دستور حياتي، يأتي اسم والدي العزيز، الحاج محمود وليد أبو كامل. إليك يا أبي أرفع أسمى آيات التقدير؛ فأنت كنت ولا تزال المحكمة العليا التي أتعلم منها أصول الاستقامة والنزاهة. علمتني أن الرجل موقف، وأن العلم بلا خُلق هو نصٌ بلا روح. بارك الله في عمرك يا أبو كامل، وجعلك دائماً سنداً لا يميل، وتاجاً يُرصع هامتي بالفخر والوقار.
أما نور الدرب وملاذ القلب، والدتي الغالية، الحاجة المصونة، فكلمات الشكر تقف عاجزةً أمام مقامكِ العالي. إن دعواتكِ الصادقة في جوف الليل كانت هي الغطاء الدستوري الذي حماني من عثرات الطريق. أنتِ التي علمتني أن الرحمة تسبق العدل، وأن القلوب تُفتح باللين والود قبل أن تُفتح بالمنطق والحجة. رمضان معكِ يا أمي هو جنةٌ معجلة، ورضاكِ هو الميثاق الغليظ الذي أستمد منه قوتي. أدعو الله أن يبلغكما رمضان وأنتما في أتم صحة وعافية، لتظل بيوتنا عامرة ببركتكما.
رابعاً: دلع الروح وبهجة الانتظار
مخطئٌ من يظن أن القانون جافٌ لا يعرف البهجة؛ فرمضان هو شهر الرحمة الالهية بامتياز. هو الشهر الذي ننادي فيه بـ وحوي يا وحوي.. إياحة لنعلن للعالم أننا أمةٌ تعرف كيف تفرح بفضل الله.
الرحمة في رمضان هو أن تستريح النفس من ضجيج العالم لتستمتع بـ مناجاة الخالق. هو أن تجد اللذة في تراويح طويلة، والجمال في سحور بسيط يجمعه الحب. ومائدة تضم الاحباب
يا أهل ديرب نجم الكرام، ويا شعب مصر العظيم، لنستقبل رمضان بقلوبٍ بكر، لنرمي خلف ظهورنا كل شقاق، ولنجعل من صلة الأرحام بنداً غير قابل للتعديل في جدول أعمالنا.
خامساً: رسالة إلى الجيل الصاعد
إن رمضان يعلمنا الانضباط؛ وهو الركيزة الأساسية لأي نظام قانوني ناجح. إذا استطعت أن تحكم شهوتك لمدة ثلاثين يوماً، فأنت قادرٌ على حكم مصيرك طوال العام. لنجعل من هذا الشهر انطلاقةً للعمل والإنتاج، فالصيام لم يكن يوماً مدعاةً للكسل، بل كان دائماً وقوداً للفتوحات والانتصارات.
ختاماً..
أيامٌ قليلة ويصدح المسحراتي لينبه القلوب قبل الأجساد. أهلاً بك يا رمضان، يا دستور المحبة، ويا قانون الوفاء، ويا بهجة الأيام. نسأل الله العلي القدير أن يهلَّه علينا بالخير واليمن والبركات، وأن يحفظ لي والديّ الكريمين، الحاج محمود أبو كامل والحاجة الغالية، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن تظل مصرنا دائماً في حصنٍ من الأمان ورعاية من الرحمن.
كل عام وأنتم بخير .. ورمضان كريم يا أغلى الناس في الدنيا ويا اهل البلده الكرام ويا كل شعب مصر العظيم واللهم بلغنا رمضان لا فاقدين ولا مفقودين وبلغنا ليلة القدر يا رب العالمين



