منوعات

النزعة الرومنسية في رواية “ملاكي” لنعمت الحاموش

ما كتبه  الناقد التونسي عبد الجليل حمودي

النزعة الرومنسية في رواية “ملاكي”

لنعمت الحاموش

   يظن الكثيرون أن المذاهب الفنية والأدبية تولد في طفرة معيّنة من حقبة تاريخية محدّدة فيولع بها المبدعون والنقاد ضمن ذلك الإطار فتتطوّر وتتّقد جذوتها لفترة معيّنة قد تطول أو تقصر ثم يصيبها التهرّم فتتلاشى وتندثر ويبقى أثرها مشغلا تاريخيا يتناوله دارسو تاريخ الفن والأدب أم من يهتم بأديب مثلا في تلك الحقبة والمنتمي إلى ذلك المذهب ولا يشذّ المذهب الرومنسي حسب اعتقادهم عن القاعدة التي سطّروها فهو مذهب نشأ في أواخر القرن الثامن عشر جاء ردة فعل ضد العقلانية المفرطة التي اكتسحت أوروبا ووصل إلى الأدب العربي واهتموا به في النصف الأول من القرن العشرين ثم لم يعد مؤرّخو الأدب ونقاده بعد الحرب العالمية الثانية تقريبا يصنفون فنانا أو قاصّا أو شاعرا بكونه رومنسيا فاعتبروه مذهبا منتهيا ما عاد يشغل الفن ولا الأدب.

  ولئن صحّت وجهة النظر هذا إلى حدّ ما فإنّ التمسّك بها تمسّكا صارما يبقى قاصرا عن فهم الأدب ومآلاته والرومنسية وإن بهت حضورها بعد ذلك أو يكاد يتلاشى فإنها تعلن عن ذاتها من خلال بعض المفاهيم التي أسستها لتصبح في شكل نزعات متناثرة هنا وهناك. إنّنا اليوم من الصعب أن ننعت أيّ عمل إبداعي بكونه رومنسيّا لكننا يمكن أن نشير إلى أنه ذو نزعة رومنسية لما يتضمّن في ثناياه ومساربه الشكلية والدلالية إحالات تذكّر القارئ بمبادئ المذهب الرومنسي.

  تأتي هذه الورقة النقدية ضمن هذا التوجه الذي خططنا. لذلك نعلن منذ البدء أن رواية “ملاكي” للروائية اللبنانية ” نعمت الحاموش” التي صدرت سنة 2019 رواية ذات نزعة رومنسية وسنحاول أثناء التحليل أن نبرهن على صحة هذا الرأي فنبحث فيما إذا كانت الرواية المدروسة تنزع نحو الرومنسية. إنها رواية تحكي قصة الشاب راجي الذي يعمل دليلا سياحيا ويعيش حالة حب غريبة مع امرأة (ملاكي) لا تزوره إلا في الأحلام ويفقد بسببها حب الفتاة (ميلا) التي أحبها في الواقع رغم توسّلات أمّه ونصائح صديقه فريد وتحذيرات طبيبته النفسية.

  إنّ الناظر في هذه الرواية يلحظ أن ضمير الأنا هو من يتولى دور السرد فالمتقبل يتطلّع إلى الأحداث عن طريق الشخصية الرئيسية وهو أمر مفهوم ومبرّر بما أن أغلب الخطاب كان حوارا نفسيا يبوح به ” راجي ” عن خلجات النفس وما يعيشه داخل حلمه وبذلك يقطع مع الراوي بالمفهوم الكلاسيكي لدوره الذي يسيطر على مجريات الأحداث بل ويعلم ما يدور في خلد الشخصيات. هذا الدور للراوي الكلاسيكي فقده في الأدب الرومنسي عموما وفي هذه الرواية بشكل خاص. إنّ راجي بحكم لعبه دور الشخصية الرئيسية يدير دفّة القص مراوحا بين ما يدور في خلده أثناء الحلم وما يقع من أحداث في واقعه لكنه في المقابل يمنح لبقية الشخصيات مساحة من التعبير أثناء الحوار الخارجي. وما يلفت الانتباه في هذا النوع من الحوار غياب أفعال الحوار (قال-ردّ….) مما يسلب أيّ فعل حكائي للراوي بالمفهوم الكلاسيكي. وبذلك يرتكز مفهوم الراوي في رواية ” ملاكي” مناقضا للمفهوم الكلاسيكي له مما يجعل الكاتبة تضفي على روايتها الصدق العاطفي. إنها ألغت كل المسافات بين “راجي” والقارئ. يبث له لواعج ذاته وما على الثاني إلا تصديقه والتعاطف معه.

  وإذا أردنا أن ندرس الشخصيات ونحدّد مدى ارتباطها بالبعد الرومنسي فيها نجد أنفسنا مضطرين إلى الفصل الإجرائي بين دوري “راجي” من حيث هو راو ومن حيث هو شخصية رئيسية ولئن درسنا وجهه الأول في الفقرة أعلاه فإن مكوّنات الشخصية فيه وخصائصها في الوجه الثاني منه ملتبسة التباسا كليّا بالشخصية وفق مفهومها في الأدب الرومنسي. فالبطل إن صحّت العبارة من نوع خاص يعيش اغترابا وهو ما اتصف به ” راجي” الذي كان رغم المحبّين حوله (أمه-أبوه-فريد -ميلا) لا ينسجم مع قناعاتهم. يبادلهم مشاعر الحب لكنه مفارق لهم وهو ما جعله محرجا أمام “ميلا” الذي رغب في التواصل معها عشقا لكنه لم يستطع مما اضطره إلى قطع علاقة الود بينهما. كما نجده عميق الرغبة في الانعزال والتشوق إلى مجيء الليل سريعا حتى يعيش حلمه كما يرغب. هذا الحلم لم يكن مجرّد هروب من زيف الواقع ولا استعادة له بأشكال أخرى بقدر ما هو منفذ إلى الذات وآلية لبناء عالم مثالي يعكس توق الإنسان إلى الحب والجمال والحرية هذه هي شخصية “ملاكي” في الرواية ليس مجرد امرأة جميلة (ميلا كانت امرأة جميلة تحب راجي لكنها كانت منشدة إلى واقع يرفضه راجي) وإنما هي مصدر إلاهي. كائن مثالي. إنها المطلق في القيم التي يبحث عنها راجي ولم يجدها في الواقع. هذا البحث الدؤوب عن المطلق يستغرقه القلب ولا يفهمه العقل لأنّ العقل عقال للنفس تكبيلٌ لها وهو ما حاولت الطبيبة النفسية أن تفعله مع “راجي”. أرادت أن تدرس الظاهرة علميا بالتوسل بالعقل فاقترحت الاستعانة بالأدوية حتى يتخلّص من هذا المرض لكنّه لا يعتبر ذلك مرضا إنما هو هدف منشود يبحث عن معرفته. هذه المعرفة لا دليل لها إلا القلب في عالم الحلم دون عالم الواقع لذلك رفضت “ملاكي” توسل ” راجي” أن تسافر معه عكسيا إلى عالم الواقع. فهي تدرك جيدا أن الواقع سيضعهما في إحدى تجربتين إما أن زواجا تقليديا ينتفي فيه الحب مثلما فعلت ” ميلا” و”سمير” وإما أن يفشل حبهما مثل تجربة “فريد” و”رشا”.

  وما يزيد ارتباط الرواية بالنزعة الرومنسية أكثر هو لغتها. فلئن كانت اللغة في الأدب الرومنسي استجابة لفلسفته القائمة على التمرد على السائد بما في ذلك اللغة التي تعوّد القارئ على تقسيمها إلى لغتين لغة يختص بها الشعر فتحمل في طياتها ما تفارق به اليومي نحو ذرى إعادة تشكيل الأشياء في العالم عبر المجازات من تشابيه واستعارات وغيرها ولغة يختص بها النثر بما ذلك الأجناس السردية تكون المسافة فيها بين الدال والمدلول أقصر فيضعف فيها المجاز ويتقلّص الرمز. وفي الرواية المدروسة تنزع اللغة فيها نحو الشعرية أكثر فيتكثّف المجاز فيها وتكثر الاستعارات وتكون المفردات مشحونة بالشجن والحنين والاندفاع العاطفي وهو ما ينسجم تماما مع حياة الذات من خلال شخصية “راجي”  في عالم الحلم ويمكن أن نكتفي بهذا المقطع من الرواية حتى نبيّن  وفاءها لغة الأدب الرومنسي ” أحمل لك اليوم القهوة…لا أعرف كيف صنعتها…ومتى…؟كلّ ما أعرفه أنّ عطرها يفوح بي…وذلك الزّبد البنيّ يعتقل حواسي…رأيت نفسي كالمسحور أحملها وآتي إلى هنا…إلى حيث ملاكي…قهوتي وملاكي….أتحرّق لأراك تدنين شفة الفنجان من شفتيك…يا احتراقي تلك المسافة…الحلم…يا احتراقي سفر القهوة…وإطباق الشفتين…يا احتراقي ..عطرك يموج وعبق البن…وامتزاج الليل والسحر….وهبوب عاصف من عمق الرّوح…تتلقّفه الأنواء…تغسل اللجج ما كان….كلّ ما كان….ومعا نولد من جديد…….”

  هكذا يمكن اعتبار رواية “ملاكي” ل”نعمت الحاموش” ذات نزعة رومنسية من حيث الشكل كما رأينا سواء من خلال سمات الراوي المشارك في الأحداث أو من خلال سمات الشخصيات وخاصة الرئيسية منها التي حاولت التمرّد على نواميس المجتمع لتعيش اغتراب تنتقل بفضل من عالم الواقع إلى عالم الأحلام. هذا العالم يقوّي رومنسية الرواية من حيث الدلالة فهو معطى يغلّب القلب والمشاعر على العقل والمنطق الصارم. 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى