شريهان الفقي: حكايات “المعز” ترسم وجوه المصريين!
احلامها تُولد في "عروس المتوسط" وتتحقق في صخب "القاهرة


عزت اشرف
بين ثنايا الحلم وواقع التحدي، تقف الفنانة والاعلامية شريهان الفقي كنموذج للمبدعة التي لم تستسلم لنمط واحد؛ فهي المؤلفة التي تغزل الحكايات، والمؤدية التي تمنح الأثير روحاً، والإدارية التي تروض الأرقام لتحمي الأحلام. في هذا الحوار، نبحر في أعماق شخصية تشكلت بملامح مدن ثلاث، وآمنت بأن الصدق هو الجسر الوحيد للوصول إلى قلوب الجماهير. نكشف معها كيف تصهر خبراتها في السياحة والرياضة والعلاقات العامة لتصيغ تجربة فنية استثنائية، تبحث دائماً عن “الزوايا الخفية” في النفس البشرية، وتتطلع بيقين نحو شاشة السينما.
**بين الإسكندرية والمملكة العربية السعودية والقاهرة، أي مدينة كانت الرافد الأكبر لخيالكِ كمؤلفة، وأيها منحتكِ جسارة الممثلة؟**
في المملكة العربية السعودية، حيث قضيت طفولتي، بدأت أولى إرهاصات الخيال؛ كنت ألهو بدمائي وأنسج لها قصصاً لا تنتهي. أما الإسكندرية، فقد كانت الرافد الأهم والمشكل الأساسي لوجداني؛ فبحرها، وتاريخها، وشوارعها، وأصدقاؤها.. كلها عناصر تحفز الإنسان على الحلم والكتابة من أعماق القلب. لقد كانت صياغة الشخصيات وتأليف القصص وحكايتها للأصدقاء بمثابة الملاذ الآمن من ضغوط الحياة. ثم جاءت القاهرة لتمنحني الجرأة؛ فهي مدينة لا تعترف بالتردد، وتحتم عليك الوقوف بقوة لتثبت وجودك. ومن صخب حكايات القاهرة التي لا تنضب، بدأت مسيرتي في التأليف عبر أثير الإذاعة، ببرامج خفيفة تطورت لاحقاً إلى مسلسلات كوميدية ودراما إذاعية.
**كيف انعكس التنوع الثقافي في مسيرتكِ على قدرتكِ في صياغة دراما تلامس مختلف شرائح المجتمع؟**
هذا التنوع منحني بصيرة مختلفة في رؤية البشر؛ فالعيش وسط ثقافات متعددة يتيح للمبدع إدراك التفاصيل الدقيقة في النفس الإنسانية، مما يجعل الكتابة أكثر واقعية وملامسة لمشاعر الناس الصادقة. وبحكم كوني شخصية اجتماعية بطبعي، تمكنت من النفاذ إلى أعماق المحيطين بي وفهم أفكارهم وثقافاتهم بشكل أعمق.
**أين تجدين صدق مشاعركِ يتجلى بوضوح أكبر: خلف ميكروفون الإذاعة أم أمام عدسات التلفزيون؟**
للإذاعة سحر خاص؛ فهي تعتمد على الخيال، والصوت فيها هو الجسر المباشر للقلب، لذا فإن الصدق شرط لا غنى عنه لنقل الأحاسيس. هي مدرسة قائمة بذاتها، من يتقنها يمتلك أدوات تعبيرية شديدة القوة. أما الكاميرا والتلفزيون، فربما لم يحالفني الحظ بعد في تقديم عمل درامي من خلالهما، رغم امتلاكي محاولات في المسرح وكتابات عديدة للدراما والسينما لم تخرج للنور بعد. وبخلاف مقاطع الفيديو القصيرة التي أنشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي، فإن الوقوف أمام الكاميرا يتطلب إعداداً ودراسة تختلف تماماً عن الأداء الإذاعي، لأن الكاميرا تكشف أدق المشاعر التي قد يحاول الفنان إخفاءها.
**هل يمنحكِ تغيير نبرات صوتكِ في “الدوبلاج” حرية أكبر للتعبير عن مشاعر قد يعجز صوتكِ الحقيقي عن إيصالها؟**
فن “الدوبلاج” يمنح الفنان مساحة رحبة من الحرية للتلوين الصوتي والأداء بمشاعر وأساليب متنوعة في كل مرة، شريطة الحفاظ على الإطار العام للعمل والجو الدرامي الذي يقدمه.
**ما هي الشخصية التي صاغتها “شريهان المؤلفة” وتتوق “شريهان الممثلة” لتجسيدها يوماً ما؟**
أطمح لتجسيد شخصية امرأة تتسم بالتناقض والتعقيد؛ امرأة مترددة، ثرثارة، بخيلة، وحسودة في آن واحد. لقد قدمت هذه الشخصية بالفعل في مسلسل إذاعي، لكنني أتمنى بشدة تقديمها أمام الكاميرا، حيث يمكن لتعابير الوجه ولغة الجسد أن تنقل مشاعراً قد لا يستطيع الأداء الصوتي وحده إيصالها بكامل تفاصيلها.
**كيف تحققين التوازن بين “شريهان الفنانة” الحالمة و”شريهان الإدارية” التي تحتكم لغة الأرقام والتسويق؟**
الفنانة بداخلي لا تكف عن الحلم، فالحلم يكبر مع الطموح. أما الجانب الإداري، فقد منحني ثقة أكبر بالنفس، وكانت العلاقات العامة بوابتي لاكتشاف قدرات كامنة لم أكن أدركها إلا بالتجربة. أؤمن تماماً أن الإدارة الرشيدة هي الدرع الذي يحمي الحلم الفني؛ فالفن بلا إدارة قد يتبدد. وإذا نجحت في إدارة ذاتي وعملي بصدق وأمانة، سأتمكن حتماً من إدارة نجاح الآخرين.
**هل ساهمت دراستكِ للسياحة وخبرتكِ في تنظيم الفعاليات في صقل الكاريزما الخاصة بكِ فوق خشبة المسرح؟**
بالتأكيد؛ فدراسة السياحة والتعمق في حضارة بلدنا العظيمة يمنحان الفرد طاقة وعمقاً ينعكسان على أي عمل يقوم به، خاصة في فن رفيع كالمسرح، تأليفاً وتمثيلاً. أما تنظيم الحفلات، فرغم صبغته الإدارية، إلا أنه علمني فن التعامل مع الجمهور وفهم سايكولوجية الحشود.
**كيف توفقين بين علاقاتكِ الاجتماعية المتشعبة وصداقاتكِ الكثيرة، وبين حاجتكِ للعزلة الإبداعية أثناء الكتابة؟**
أعتمد مبدأ التوازن؛ فأنا أعشق الناس وقريبة منهم جداً، وأحب الإنصات لحكاياتهم وأفراحهم وأحزانهم، وهذا هو الوقود الذي يغذي خيالي وقصصي. لكنني في لحظة الكتابة، أحتاج للانكفاء على ذاتي وإقصاء ضجيج العالم من حولي، وبعد الانتهاء، أعود لأستأنس بآراء المحيطين بي.
**إلى أي مدى ساعدتكِ “العقلية الرياضية” في الصمود أمام تحديات الوسط الفني؟**
الرياضة تغرس في النفس قيم الصبر والانضباط، وهذه الصفات جوهرية في الوسط الفني المليء بالمنافسة والتحديات والصعوبات التي تسبق الوصول للأهداف.
**ما هو الدرس الجوهري الذي تحرصين على غرسه في ابنتكِ “مريم” من واقع مسيرتكِ المهنية؟**
أوصيها دائماً بأن تكون صادقة مع نفسها؛ فالنجاح الحقيقي ينبع من معرفة الإنسان لذاته واحترامها، وتحديد الأهداف بوضوح، وبذل قصارى الجهد لتحقيقها، مع اليقين بأن التوفيق هو من عند الله أولاً وأخيراً.
**بعد لقاءاتكِ المتعددة مع قامات “ماسبيرو”، ما هو السؤال الذي تمنيتِ أن يُطرح عليكِ ولم يحدث؟**
كنت أتمنى أن يسألني أحدهم: “ما هو الحلم الذي ما زلتِ تخشين الإفصاح عنه؟”، وإجابتي هي: الوقوف أمام كاميرات السينما في فيلم من تأليفي الخاص.
**إذا قررتِ تأليف مسلسل يجسد رحلة حياتكِ، فما هو العنوان الذي تختارينه له؟**
سأختار له عنوان: “بين الحلم والحقيقة”.
**كيف أثرت تجربتكِ في برامج الرعب والبرامج الترفيهية على قدرتكِ في استكشاف الزوايا الخفية في الشخصية المصرية؟**
علمتني تلك التجارب أن الإنسان يظهر وجوهاً متباينة باختلاف المواقف؛ فلحظات الخوف والمرح هي الأكثر قدرة على كشف الطبائع الحقيقية للبشر.
**بصفتكِ مخرجة برامج محترفة، هل تجدين غضاضة في تقبل توجيهات مخرجين آخرين حين تعملين كممثلة؟**
على العكس تماماً، فالإخراج الإذاعي مجهد ومختلف لأنه يعتمد على الأذن والوجدان فقط. أنا شخصياً أعشق التعلم، وكل مخرج يمتلك رؤية وزاوية مختلفة تضيف للعمل. السعي نحو النجاح يتطلب الإنصات للمتخصصين، وهذا صقل للموهبة، أما الترفع عن التوجيه فهو غرور لا يقود إلا للفشل.
**ما هو التحدي الأكبر الذي واجهكِ عند التحول من العمل خلف الكاميرا إلى الوقوف أمامها كإعلامية؟**
كان التحدي الأول هو محاورة قامات إعلامية مصرية ولبنانية مرموقة؛ شعرت برهبة كبيرة في البداية، فكان لزاماً عليّ التحضير الجيد للقاءات بشكل يليق بهؤلاء الضيوف، لأن ذلك هو ما يعكس احترامنا للمشاهد وللضيف ولذاتنا المهنية.
**كيف وظفتِ مهاراتكِ في العلاقات العامة لبناء جسور تواصل مع كبار الإعلاميين والأكاديميين دولياً؟**
الأمر بسيط؛ الاحترام والصدق هما الأساس. العلاقات المتينة لا تُبنى على المصالح العابرة، بل على الثقة المتبادلة والاحترام المهني الرصين.
**ما هو الحلم الذي لا يزال يراود “شريهان الفقي” ولم يتحقق بعد؟**
حلمي هو تقديم عمل درامي ضخم يلامس وجدان الناس، ويحفر مكانه في ذاكرة الجمهور لسنوات طويلة.



