منوعات

سوزان مختار.. زي بعضه ..حينما تُرمم حنجرة “الجيل” انكسارات اللحن المفقود

 

في تاريخ الغناء العربي، ثمة أصوات تمر كالعطر العابر، وأصوات أخرى تحفر أخاديدها في الوجدان كأنها “نقشٌ فني على حجر صوان”. المطربة سوزان مختار تنتمي إلى تلك الفئة النادرة التي لا تغني لمجرد الحضور، بل لتأصيل الهوية وترميم ما تهدم من أركان الطرب الأصيل. اليوم، وفي مشهد فني مميز يسبق شهر رمضان المبارك، تقدم سوزان أحدث أعمالها المصورة “زي بعضه”، وهو العمل الذي لم يعد مجرد “كليب” غنائي، بل تحول إلى رسالة وفاء تجمع بين أحياءٍ مخلصين وراحلين تركوا فينا أثراً لا يمحى.

أمانة “ذكرى” وعقد الأرواح مع “السلامي”

الحكاية تبدأ من أدراج التاريخ الفني؛ حيث كانت أغنية “زي بعضه” مشروعاً غنائياً للفنانة الراحلة ذكرى، التي اختارت هذا اللحن ليكون محطتها القادمة، لكن القدر لم يمهلها لتشدو به، فظل اللحن غائباً سنوات طويلة، حتى احتضنته حنجرة سوزان مختار. سوزان التي يصفها النقاد بـ “الوريثة الشرعية” لشجن ذكرى، استطاعت أن تعيد بعث هذا اللحن وتقديمه برؤية فنية تحترم قيمته التاريخية.

ولم يتوقف الأمر عند اللحن، بل امتد لـ “الكلمة”؛ فالنص الذي شدى به صوت سوزان صاغه بمداد القلب الزميل الكاتب الصحفي الراحل أحمد السلامي، أحد فرسان الكلمة في جريدة “المساء”، والذي رحل وبقيت نصوصه تنبض بالحياة. سوزان في “زي بعضه” لم تكن مجرد مطربة، بل كانت حارسة لهذا الإرث، حين مزجت قلم السلامي بلحن ذكرى، لتقدم عملاً تظهر فيه كخليفة حقيقية لزمن العمالقة، واضعةً يدها على جوهر الطرب الحقيقي.

من شموخ “وردة” إلى عذوبة “فايزة”.. تواصل الأجيال

لم تخرج سوزان مختار من فراغ، بل هي ثمرة في بستان الموسيقى العربية العريق. صقلت موهبتها بالنهل من مدرسة “الوردة الجزائرية”، فاستعارت منها شموخ الأداء وكبرياء الحضور، واقتبست من عذوبة “كروان الشرق” فايزة أحمد تلك القدرة على تطويع المشاعر وتحويلها إلى نغم يمس الوجدان. صوتها مزيج لافت؛ فيه بحة الشجن التي ميزت ذكرى، وقوة الأداء التي اشتهرت بها وردة، ورقة الحضور التي تذكرنا بالشحرورة صباح.

هذا المزيج الفني جعل من سوزان صوتاً لافتاً في سوق الغناء المعاصر. لقد تنقلت في مشوارها بين أصعب المقامات الموسيقية، وأثبتت قدرة فائقة على أداء الألوان الطربية المختلفة. وفي الآونة الأخيرة، شهد نشاطها الفني طفرة نوعية؛ حيث أطلقت “ميني ألبوم” تميز بالتنوع، برزت فيه أغنية “مافيش فايدة” (كلمات بلال عبده، ألحان أحمد زعيم)، والتي كشفت عن وجه آخر لسوزان يجمع بين الحداثة والطرب الرصين، بدعم من توزيع موسيقي لأحمد علي وهندسة صوتية لمهندس الصوت القدير محمد جودة.

مغامرة “المخرج” والسيادة على الكادر

في “زي بعضه”، قررت سوزان أن تمارس دور الفنان الشامل؛ فتمردت على فكرة الأغنية المسموعة، وقررت تحويلها إلى فيديو كليب برؤيتها الإخراجية الخاصة. وقفت خلف الكاميرا لأول مرة، لترسم حالة من “العتاب والتسامح” بعين المخرج الذي يقرأ ما بين سطور النغم.

جاء الكليب ليعكس نضجاً بصرياً؛ حيث استخدمت سوزان الإضاءة والظلال لتجسد فلسفة النص الذي صاغه السلامي: “اوعى يا قلبي تكون زعلان.. اوعى تكون متغير منه”. هذا التحول من المطربة إلى المخرجة يؤكد أننا أمام فنانة تمتلك رؤية متكاملة، ترفض أن يفسر إحساسها وسيط، وهي خطوة تعكس ثقتها الكبيرة في موهبتها الفنية.

سوزان مختار.. الحاضرة في الأثير والوجدان

تعزيزاً لهذا النجاح، فرضت سوزان حضورها عبر أثير الإذاعات، لا سيما بعد تعاقدها مع راديو “ميدلي”، الذي بات يذيع أغنياتها بانتظام، مما خلق حالة من الارتباط بين صوتها والجمهور. سوزان اليوم تبني صرحاً من الجودة الفنية، يظهر جلياً في انتقائها لكل جملة موسيقية ولكل كادر تصويري، بعيداً عن صخب الأعمال العابرة.

وثيقة وفاء فنية

إن ما حققته سوزان مختار في “زي بعضه” هو رد اعتبار للفن الذي يحمل قيمة ومعنى. هي لم تحيِ ذكرى “ذكرى” و”السلامي” فحسب، بل أكدت أن الفن الأصيل يبقى حياً مهما طال الغياب. هي صوتٌ يمتلك هيبة الماضي وعنفوان الحاضر. بوفائها لرفاق الدرب الراحلين، وبإصرارها على جودة الإنتاج، تضع سوزان مختار نفسها في طليعة جيلها، مؤكدة أن الحناجر التي تتغذى على إرث وردة وفايزة وصباح قادرة دائماً على العطاء والتميز.

سوزان مختار اليوم ليست مجرد مطربة تطرح عملاً جديداً، بل هي قصة فنية تعكس الوفاء والإبداع، وتقدم نموذجاً للفنان الذي يحترم تاريخه ويسعى لصياغة مستقبل فني راقٍ.

لمشاهدة وتحليل العمل:
[http://www.youtube.com/watch?v=TYG2gW_5Yyc](http://www.youtube.com/watch?v=TYG2gW_5Yyc)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى