العنوان وتفاعلاته الدلالية قراءة في رواية مرساة في رمال


نقد لرواية مرساة في رمال للكاتبة اللبنانية نعمت الحاموش كتبه الناقد عبد الجليل حمودي- من تونس يقول فيه
يشكل عنوان الكتاب عتبة النص الأولى مهما كان المجال الذي ينتمي إليه أو النوع الذي ينضوي تحته ولا تخرج الرواية عن هذا المدار فالعنوان فيها هو العتبة الأولى. منه يلج القارئ عالم الرواية يسبر أغوارها ويسافر في متاهاتها بل إنّ هنالك من النقاد من يعتبر أنّ العنوان رحم يتولّد منه النص الروائي وبه يبدأ الأخير في التشكل رويدا رويدا.
وإذا احتكمنا إلى نظرية التلقي فسنلفى العنوان يقدح في ذهن المتلقي أفقَ انتظارٍ يتوقّع من خلاله العوالم العامة للأحداث وسماتها الكبرى وقد يصل به الأمر إلى تحديد مآلاتها وفق الخبرة التي اكتسبها من فعل القراءة أو الحدس الذي تربّى فيه من كثرة معاشرته للروايات. توقّعُه هذا قد يتحققّ كليّا أو جزئيا في الكثير من الروايات فيكون أفق انتظاره مطابقا لمسارات العالم الروائي ومن ذلك مثلا عندما يواجه القارئ عنوان رواية “الياطر” لحنا مينه فإنه ينتظر من أحداثها أن تدور في البحر ومن شخصياتها أن تكون من البحّارة لما للفظة “الياطر” من علاقة بالبحر ولأنّ القارئ اكتسب خبرة قرائية إذا كان مطّلعا على أدب حنا مينه. لكن قد يعثر القارئ على روايات أخرى تخيّب ظنّه فتكون عناوينها مظللة مختالة لا تظهر ما تخفي بل إنها تدعو القارئ إلى ركوب التأويل والبحث المعمق حتى يجد الخيط الناظم بينها وبين عالمها الروائي ومن بين هذه الروايات تبرز “مرساة في رمال” للروائية اللبنانية “نعمت الحاموش”.
إن الناظر في هذا العنوان يتوهم أنّ الكاتبة ستسافر به في عالم البحار ويخوض معها تجربة أدب البحر ولكنّه يكتشف في الأخير أنّه محتال عليه إذ اختُرق أفق انتظاره وكُسر مما يجبره على إعادة تنظيم دال العنوان ومدلولاته في ذهنه بحثا عن تفاعلها مع دوال المتن الروائي ومدلولاته ليجيب عن سؤال يؤرّقه لماذا اختارت الكاتبة عنوان” مرساة في رمال” لروايتها؟
يرد العنوان نحويا مركبا إسناديا المسند إليه فيه لفظة ” مرساة” والمرساة اسم آلة مشتق من الجذر [ر، س، و] وقد اتفقت المعاجم على دلالة الثبات فيه فالفعل “رسا” يعني ثبت و”الرسوّ” هو الثبات والاستقرار وعادة ما تستعمل لفظة “مرساة” للسفينة فهي التي تثبتها في مكانها لتستقر فيه حتى لا تأخذها الأمواج بعيدا. لكنّ المسند “رمال” لا يحقق وظيفة الثبات والاستقرار فتفقد المرساة إذن وظيفتها ومن هنا تكون المفارقة فيتحوّل المعنى من الثبات والاستقرار إلى التقلّب والاضطراب والجيَشان وتتحوّل الدلالة من المعنى المباشر إلى معنى أعمق يوجّه القارئ إلى التأويل فيأخذ المعنى المحوَّل إليه ويحاول إيجاد نظائره في المتن الروائي. فكيف انعكست دلالة اللاثبات وعدم الاستقرار في العنوان على الشخصيّتين الرئيستين والوطن؟
إنّ المتتبع لمسار الشخصية الرئيسية (مدى) في الرواية يلحظ حالة من عدم الاستقرار المركّب الذي تعيشه فحياتها متقلّبة رغم طبعها الهادئ. هذا الطبع الهادئ يخفي اضطرابا داخلها تشابكت خيوطه فأثّر في عاطفة الحب عندها وعلاقتها بالأصدقاء والقرية. إنها لم تعش حبّا عاديا مستقرا إذ أحبّت أستاذها “نور” حبّا جيّاشا أغرمت به وحلمت وسيطر على مفاصل أحلامها ويقظتها. اتّبعته حيث حل وارتحل. انبهرت بأفكاره فجعلتها نبراسا تهتدي بها في حياتها وصراطا يقودها إلى عالم المثل العليا. اتّفقا في إيمانهما وتديّنهما (كان ذلك في البداية لأننا سنرى مع نور أن ذلك لم يدم إلى النهاية) وفي ولههما بفيروز علامةً على الذروة القصوى للإبداع الفني أيقونةً من أيقونات الوطن. كلّ هذا لم يبثّ فيها الشجاعة لتفصح له عن حبّها بل إنها لم تحس أنه يبادلها نفس المشاعر سوى ومضات ضئيلة من نظرة تعتبرها هي اهتماما منه وقد لا تكون كما تمنّت. ويشير المتن الروائي أيضا إلى اضطراب علاقة “مدى” بصديقاتها رغم ما يعرف عنها من وفاء وحسن تواصل. لقد خانتها صديقاتها الثلاثة رنا وأمل وليديا فاضطربت بين الصداقة الباهرة والخيانة الموصوفة. لم يقفن معها في محنتها. لم يساعدنها على تخطي أزمتها العاطفية. قسون عليها مثلما فعلت الأخريات. فردّدت بكل حسرة وألم “ها هي شجرتي. تدمع ورقا. البارحة لم تكن عارية. هكذا. اليوم فقدت المزيد من أوراقها. كم تشبهني. البارحة لم أكن عارية. هكذا. أمّا اليوم. فقد سقطت كلّ أوراقي. تلك الأوراق. الّتي كتبت عليها أجمل أيّامي” فاعتبرتهن بمثابة مثلث برمودا حاول ابتلاعها لكنها نجت بفضل إصرارها وعزيمتها “ أمل ورنا وليديا. مثلّث برمودا في حياة مدى. ابتلعها.نعم.لكنّها لم تختف.خرجت.خرجت منه.أخرى.خرجت أقوى بعد انكسار”.
أما عن علاقة “مدى” بقريتها فإنها أحبّتها حتى وقع خلاف بين أهل القرية وصادف أن قتل أحد أقارب أم مدى رجلا من أقارب أبيها وكان ردّ فعل أهل الأب عنيفا مع أمها مما اضطرّهم إلى مغادرة القرية. مكان صباها أصبح غير آمن. لم يبادلها الحبّ الذي أكنّته له. كره أمها لذنب لم تقترفه فكرهته مدى. وضعت أمّها قدّيستها في كفة ووضعت القرية في الأخرى فرجحت الأولى رغم معاناة المغادرة والهجر.
هكذا أحاط اللاثبات وعدم الاستقرار مسيرة “مدى” العاطفية والحياتية كما أثّرا على حياة “نور” الشخصية الثانية في الرواية من خلال زعزعة الميولات الجنسية الطبيعية له من جهة ومعتقداته الإيمانية من أخرى. كان “نور” رجلا جذّابا تميل إليه الفتيات من مختلف الأعمار ويتصارعن على حبّه والانتصار به وله لكنّ القارئ يكتشف مع “مدى” عن طريق الإشاعة أوّلا ثم الحقيقة في نهاية الرواية أنّ “نور” ميّال إلى جنس الذكور ما جعل صورته تهتزّ عند مختلف شخصيات الرواية. كما إن الإيمان الذي تحلّى به في بداية الرواية بل إنّه لعب دور الواعظ عند تلامذته تحوّل إلى إلحاد في نهايتها ويُعزى ذلك إلى المرض الذي أقعده.
أما عن الوطن فإنّ لبنان في الرواية -كما في الواقع- لم يسلم من الاضطرابات السياسية المتكررة التي أثرت عليه وعلى حياة مواطنيه ومزاجيتهم. الكلّ يحبونه لكن لا يصبرون على بعضهم مما ولّد لديهم الضغينة التي تنشب الحرب بينهم من حين لآخر. إنه الوطن الذي عانى ويلات الحروب الأهلية منها والخارجية. يتّفق الفرقاء السياسيون مرة ليختلفوا الاف المرات. هكذا عبّرت الرواية عن الحب للوطن والحيرة من اضطراباته السياسية والعسكرية المتواصلة.
إن العنوان “مرساة في رمال” إذن ما هو إلا بوصلة تقود القارئ إلى التنبّه إلى أهم مدلولات المتن الروائي التي تختزن اللاثبات وعدم الاستقرار فالمرساة في الرمال لن تجعل من السفينة ثابتة في مكان واحد مستقرة فيه كذلك عاشت الشخصيات والوطن في واقع تتقاذفه الأمواج فلم يهنأ الجميع بالطمأنينة الأبدية.


