سيمفونية الهوية وألوان المذاق: د. عادل بدر يفك شفرات التراث بدار الكتب


إن التراث ليس مجرد تراكم للسنوات أو حكايات نرويها عن الأجداد، بل هو الجسر الحي الذي يربط ماضينا بحاضرنا، ويمنحنا الرؤية لنبني مستقبلاً لا نضل فيه الطريق. إن الحفاظ على هويتنا الثقافية والتاريخية اليوم ليس خياراً، بل هو ضرورة حتمية لبناء مجتمع صلب يواجه رياح العولمة بوعي وإبداع.”*
بهذه الرؤية العميقة، انطلق الأستاذ الدكتور **عادل بدر**، أستاذ النحت والتربية المتحفية بجامعة القاهرة، في رحلة فكرية وبصرية خلال المحاضرة التثقيفية التي نظمتها قاعة الفنون بدار الكتب والوثائق القومية بمناسبة يوم التراث العالمي في أبريل ٢٠٢٦م. وببراعة الفنان، شرّح د. بدر مفهوم التراث مقسماً إياه إلى شقين يمثلان جسد الروح المصرية؛ الأول هو التراث المادي الذي يسكن المتاحف والمباني التاريخية والآثار، مشكلاً الذاكرة البصرية ودعامة السياحة، والثاني هو التراث اللامادي الذي يتنفس في الموسيقى والعادات والفنون الشعبية التي تمنح المجتمع تماسكه وقيمه الفريدة.
ولم تقف المحاضرة عند حدود التوصيف، بل غاص د. بدر في التحديات التي تهدد هذا الإرث، من تقلبات المناخ ونقص التمويل التي تنهك الحجر، إلى مخاطر العولمة التي تحاول طمس المعارف اللامادية لدى الأجيال الجديدة، مقترحاً استراتيجيات حماية شاملة تبدأ من التوثيق الرقمي والترميم وتنتهي بدعم الممارسين الحقيقيين لهذه الفنون. وشدد د. بدر على أن القوة الناعمة المصرية تكمن في “الصناعات الإبداعية”، مؤكداً أن رؤية مصر ٢٠٣٠ تسعى بجدية لتحويل المتاحف والمواقع الأثرية إلى منصات معرفية تكنولوجية تستثمر في المبدعين وتضع مصر في قلب اقتصاد المعرفة العالمي.
وفي لفتة أثارت إعجاب الحاضرين، استعرض الدكتور عادل بدر “المطبخ المصري” كأحد أعظم تجليات التراث اللامادي، موضحاً كيف يساهم في تأصيل الثقافة البصرية للمصريين. واختار طبق “الكشري” نموذجاً، واصفاً إياه بأنه “لوحة فنية” متكاملة العناصر، تتناغم فيها ألوان العدس البني مع الأرز والصلصة الحمراء في تشكيل بصري فريد، وهو ما يفسر تسجيله في اليونسكو عام ٢٠٢٥م. وأكد أن هذه الجماليات هي التي غذت الفنون التشكيلية والسينما، وكرست مفهوم “اللمة” والانتماء الذي يظهر جلياً في مشاهد الطعام المصرية. واختتم د. بدر عرضه بنماذج ملهمة لورش عمل قادها في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، استخدم فيها التربية المتحفية الحديثة كأداة لتنمية الهوية لدى الناشئة، في فاعلية أقيمت تحت إشراف الأستاذ بدر أحمد علي وحضرها نخبة من الباحثين الذين رأوا في التراث حائط الصد الأخير لحماية الروح الوطنية.


